المدون : ناصر بن عبدالله الهويريني

( 1 / 4 )

%d8%a7%d8%a8%d9%88-%d8%b9%d8%a8%d8%af%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87

بينما أنا جالس بانتظار الطعام، دخل ولدي عبدالله (ثالث ثانوي) من المدرسة مسلّماً، دقائق حتى جلس أخوه مساعد (أول ثانوي) بعدما ألقى السلام، ساد الهدوء، ثلاثتنا صامتون خاشعون، منكّسو الرؤوس، يدينا في جوالاتنا، غائصون فيما بين الأصابع. رفعت رأسي بعدما ألقيت بالجهاز، وصعد الأولاد لغرفهم بعد غدائهم. أكاد أقسم أنني لم أسمع جملة مفيدة من أبنائي ماعدا السلام، حاولت أن أغصب الكلام منهم، وأسحّب الكلمات .. لكن دون جدوى، فجوابهم “كلمة ورد غطاها”، ومما قلّ ودلّ، دون نظر أو رفع رأس … تذكرت أستاذنا عمر أباسهيل العُمري، وكنت قد هاتفته عدّة مرات فلم يجب، صادف أن مكالماتي كلها كانت بعد صلاة المغرب، فأخبرني أن وقت المغرب مخصص لزيارة أبيه يومياً، وأن أباه قد منع دخول الجوال إلى مجلسه، رحم الله عمر وأباه، فقد كان هذا عام 1426هـ تقريباً، وقد كان هاتف أبي سهيل ((نوكيا )).

الآن لم تعُد أجهزة الجوال تقتصر على الاتصال ، بل صارت حاجة ملحة، واستخدامها من الضروريات اليومية، وأصبحنا أسرى لما توفّره لنا الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية من تطبيقات وخدمات، سواء كانت ضرورية أم غير ذلك. لقد باتت هذه الأجهزة المتغير الأهم، والعامل الأكثر تأثيراً على جميع تفاصيل حياتنا، لانكاد نستيقظ حتى نُهرع إلى الجوال نتصفحه، ومن ثم نلتصق به طيلة اليوم، ندور في دوامته حيث دارت بنا، وعوضاً عن كون هذه التطبيقات في الأجهزة عوناً ومساندة لنا، بتوفير خدمات تيسر بها الحياة، وتعيننا في أعمالنا، جعلت الإنسان أسيراً لها؛ لانشغاله الدائم بها، فغاب الحوار الدافئ مع العائلة. وانقلبت الأدوار، فبدلاً من توظيف هذه التقنية وظفتنا،  وعوضاً عن استثمارها لتخدمنا استعبدتنا، وأصبحنا أدوات تتحكم بها. إنه الآن أولوية لدى الجميع، وحاجة يعدّها كثير من الأفراد من متطلبات الحياة الضرورية، فقد تحوّل هذا الجهاز إلى عضوٍ من أعضاء الجسد، وبالتالي يصعب العيش بدونه، ولايمكن الاستغناء عنه. لقد فَرَض نفسه وبقوة على المجتمع، لن نستطيع إنكار ذلك، فقد أصبح الصغار أكثر تعلّقاً بالأجهزة، وأكثر فهماً واستعمالاً، بل أصبح الكبار، مهما كانت خلفيتهم التقنية، عقبة أمام الصغار تمثّل التخلّف، فالأصغر سناً لديهم إدراك عجيب لوظائف هذه الأجهزة يفوق توقعات الكبار.

أما مايلزمنا -فعلاً- فهو قراءة حال أبنائنا وطلابنا، والبحث في واقعهم الحالي عن دلالات نفسية أو اجتماعية .. هل التصاقهم هذا هروب من الواقع إلى الأجهزة؟ هل هو هتاف الصامتين؟ أم شكوى الإحساس بالقهر؟ هل هو رفض لواقع قائم؟ أم أنه مجرّد إشباع لحاجاتٍ فردية ونزعاتٍ بدائية؟

عصفت بذهني تساؤلات لم أستطع مقاومة تدفقها، أو تهدئة سرعتها: هل هذا الجوال إيجابي جيد؟ أم سلبي سيء ؟ هل هو عدو أم صديق ؟ هل الهواتف الذكية مشكلة أم هروب؟ ماذا نريد من الهواتف الذكية ؟ هل تحوّل جيل الهواتف الذكيّة إلى أغبياء، هل أصيبوا بالبلادة ؟ كيف أثرت الهواتف الذكية على الإنسان وعلاقاته ؟ ثم هل هناك دراسات ترصد الواقع وتحلله وتقترح حلولاً ملائمة ؟