المدون : ناصر بن عبدالله الهويريني

( 2 / 4 )

%d8%a7%d8%a8%d9%88-%d8%b9%d8%a8%d8%af%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87

ما الذي جعل ظاهرة الهاتف الذكي بهذا التغلغل والكثافة والانتشار؟ إن جميع شرائح المجتمع و فئاته العمرية وطبقاته الاقتصادية على حدٍ سواء، يلتقطون أول سمةٍ يتطبّع بها مستخدم هذه الأجهزة بانتظام، وهي أنهم يعيشون في عالمهم الافتراضي أغلب ساعات يومهم، يدورون في أفلاكٍ غير متناهية، أشبه بالمجتمعات الموازية لمجتمعاتنا الحقيقية، ومع أن الغاية من الهواتف في الأساس هي الاتصال والتواصل مع الآخرين، إلا أنها كما نعلم حادت عن ذلك؛ لتكون حائلاً بين مستخدميه والمجتمع الحقيقي. وفي الأسطر التالية سأعرض أبرز مارصد من سلبيات التعاطي غير المسؤول مع الأجهزة الذكية وأثر ذلك على الفرد والمجتمع، وهذه المخاطر متعددة بتعدد أوجه الحياة (صحية، نفسية، سلوكية، اجتماعية، أمنية …) يستحيل  حصرها؛ لذا سأركّز على ما يمسّ التربية؛ لهدف البحث العلمي، وإلا فهناك من الظواهر ما هو أكثر فتكاً، لكنها خارج ما رُسم لهذا المقال، منها على سبيل المثال ما نلاحظه من استخدام الهاتف في الطرقات أثناء قيادة السيارات، وهذا يشكّل خطراً على حياة الشخص نفسه، وتهديداً لأرواح غيره، فهذا لاتعنينا معالجته هنا، ومثله فقدان جماليات كثيرة من حياتنا محاها الهاتف الذكيّ.

والقارئ العزيز على علمٍ بأن الجوال، مع مايحويه من إيجابيات، فإنه لايخلو من مساوئ؛ أبرزها أن هذا الجهاز امتلأ بالرديء من التطبيقات، التي لاتوازي الوقت المنفق عليها، ويكفي جولة في متجر التطبيقات لنخرج بهذا التصوّر، وعندها نضع أيدينا على أول ثمن لهذه الرفاهية، وهو إهدار الأوقات، وسرقة الأعمار، ناهيك عن تشتت التفكير، وضعف التركيز.

كما غذّت الجوالات روح الفردية والانعزالية لدى الشباب خاصة، عندما وفرت للمراهق أسباب امتلاك كينونة مستقلة تعزله عن المحيطين به. فأخذ الانشغال بالجوال (الهاتف الذكي) منحى مقلقاً للمجتمع  بصور مختلفة، فالضرر الناتج من تطبيقات هذه الأجهزة الذكية لايقف عند الفرد، بل يتعداه إلى تهديد الأمن الوطني على النطاقات كلها. يظهر ذلك جلياً في مساهمة هذه البرامج بنشر الشائعات، والأخبار الكاذبة، و ترويج المعلومات المغلوطة. وقد مرّ بنا تجارب على تسخير مواقع التواصل الاجتماعي، وبرامج المراسلات الفورية من قبل مرضى الفكر. نحن جميعاً -عزيزي القارئ- تبدلت مفاهيمنا، و تقلبت قيمنا الشخصية، سواء أدركنا أم لم ندرك، ذلك عندما تحول الخبر إلى غير موثوق حتى يثبت العكس، وأصبح مطلباً اجتماعياً ووطنياً عدم نشر أية معلومة مالم تكن موثوقة المصدر.

ولتتصور معي مستوى الخطر المحدق بنا إصدار فتوى بهذا الشأن، حيث نبّهت هيئة كبار العلماء، وعلى رأسهم مفتي المملكة سماحة الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ على ذلك الخطر، عندما أصدرت فتوى تخصّ الرسائل المدسوسة يبين حكم نشرها، وتقترح وصاياً لكيفية التعامل مع هكذا رسائل، وهذا نص الفتوى: ((… بأن رسائل الدينية التي انتشرت في مواقع التواصل الجماعي والهاتف الجوال، ومذيلة بعبارات من مثل: انشر تؤجر- أو لاتقف الرسالة عندك – أو بذمتك – أمانة تنشر – ستسمع خبراً ساراً – ستكسب أجراً عظيماً … )) وغيرها كثير، من الأساليب المستحدثة في الدين إنما هي ((بدعة)) لا صلة لها بالدين، فإذا مرّ بك رسالة على هذه الشاكلة فاكتف بقراءتها وحذفها)). وسئل فضيلة الشيخ خالد المصلح عن حكم إرسال الرسائل الداعية إلى حملات، كحملة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وحملة الاستغفار .. وغيرها الكثير من تلك الرسائل المختومة بعبارات مثل: ((انشرها بقدر حبك للرسول – أو إذا لم تنشرها فتأكد أن ذنوبك مثقلة عليك – أو اعرف بأن الله غني عنك – أو إذا نشرت فستسمع خبراً سعيداً … )). وعبارات من هذا القبيل. فأجاب الشيخ المصلح: ((إنها بدعة لاتجوز، ولاينبغي الانسياق خلف هذا الأسلوب. بل إن عبارة [انشر تؤجر]  بذاتها بدعة.. وقد يكون المرسل يقصد نشر الخير، ولكنه للأسف بهذه الطريقة يسوِّق للبدع)). وقد ألحقت بهذه الفتوى قائمة تضم قرابة ((30)) حديثاً انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي وتداولها الناس بكثرة، تتفاوت درجاتها بين الضعيف والموضوع.

ومن آثار الجوالات على الأسرة تعطيلها لغة الحديث، وغياب الحوار بين أفراد الأسرة، وصُرِف الأبناء عن الذين يهتمون بأمرهم، ويعنون لهم، فالأسرة الآن تعاني الأمرين من ذلك، وهذا الأمرٌ يصدُق على جميع أفراد الأسرة، مع انغماسهم دون وعي في الأجهزة الذكية واللوحية، فتُصاب الأسرة ببرود العلاقات، ثم فتورها، ينتج عن هذا تشنجات تصيب الأسرة في مقتل، لاتلبث أن تتفاقم لتصل إلى تفكك أسري.

وقد أثبتت الدراسات أن إدمان الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، والافراط في استخدامها ليل نهار، سبب في القلق النفسي والاكتئاب لـ 75% من مجموعة التجربة، وسببت انفصام الشخصية لـ 25% منهم، وكانت سببًا في التوحّد بنسبة 8% من المشاركين، كما سببّت ضعف العلاقات الاجتماعية لـ 90%  من العينة.